- (...لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ):
ولقد علم المسلم من ظاهر قول الله تعالى: (...لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) المتقدم، والذي ختم به سبحانه نص تذكيره للمؤمنين بفرضه الصوم عليهم، أن الغاية العظمى التي ينال بآثارها العبد القرب من ربه، ولاسيما بعد ركوب موج بحر رمضان، وتحمل آثاره، والتعلم في ظلال مدرسته، وسعيه الحثيث إلى تحقيقها والوصول إلى معرفتها وقطف ثمرتها وهي التقوى. فعلينا أن نجدد العزم على تحقيق هذه النتيجة، ونجتهد في تحصيل هذه النفحة. يقول أبو الحسين الوراق: أجل شيء يفتح الله تعالى به على عبده التقوى، فإن منها تتشعب الخيرات وأسباب القربة والتقرب، وأصل التقوى هو الإخلاص، وحقيقته التخلي عن كل شيء إلا ممن إليه تقواك، لا يصل العبد إلى شيء من التقوى حتى يكتمل زهده وورعه، والتقوى مقرونة بالراحة، أي من حيث الثمرة. قال تعالى في: (... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق/ 2).
لذا فعلينا أن نحرص على الوصول إلى صحة التقوى، التي هي من غايات الصوم، بترك سائر الذنوب، يقول سهل بن عبدالله، رحمة الله عليه، في قول الله تعالى في: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران/ 102): لا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله (ص)، ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر، من أراد أن تصح له التقوى فليترك الذنوب كلها. وقد جاء عن أحد أهل العلم أنه قال: من التزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في: (... وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنعام/ 32).
ولقد حقق الصحابة رضوان الله عليهم هذه النتيجة، ونالوا لذاتها، وسرت عليهم سنة الله تعالى في تهيئة الأسباب واستحقاق النتائج، فقال جلّ جلاله في (الآية 26 من سورة الفتح): (.. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). فهذه الآية وسائر نصوص القرآن الكريم المتعلقة بالتقوى تخاطب أجيال اليوم والغد، وتحثهم على تحري وسائل تحصيل التقوى، وأن يكونوا أهلها وأحق بها كما كان من قبلهم.
- الإخلاص ظاهراً وباطناً:
على المسلم مع حرصه على أداء الصوم على الوجه المطلوب، ومحاولاته تحصيل تقوى القلوب والنفوس وصحته، أن يحرص أشد الحرص على كسب الإخلاص ظاهراً وباطناً، واستحضاره في سائر أعماله وأحواله وأقوالهم، ودوام المراقبة لله عزّ وجلّ في ذلك، وحسن المعاملة معه ومع الخلق في الظاهر والباطن، إذ المسلم بحاجة دائمة إلى مراقبة نفسه وتنقيتها من الشوائب، وتنزيهها عن كل ما يقعدها عن الالتحاق بركب عباد الله الصالحين، فالمراقبة والمحاسبة ضرورة في تقدم العبد نحو النجاح والفلاح، وسموه الروحي، وهي أحب ما تكون في أربعة مواطن كما قال أهل العلم والتزكية: في ما بين الإيمان والكفر، وبين التوحيد والشرك، وبين الإخلاص والرياء، وفي ما بين الصدق والكذب.
وفي مثل هذا قال المحاسبي مستنبطاً بعض اللطائف من القرآن الكريم: من اجتهد في باطنه ورثه الله حسن معاملة ظاهره، ومن حَسُنت معاملته في ظاهره، مع جهد باطنه، ورثه الله تعالى الهداية إليه لقوله تعالى في (العنكبوت/69): (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). فعلى المسلم أن يصحح باطنه بالمراقبة والإخلاص والمجاهدة، ليزين الله ظاهره وباطنه بالهداية والإحسان واتباع السنة.
lightway