منتدى شنواى



 
الرئيسيةمجلة شنواىاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حوار الئيس عبد الناصر مع عبد الهادي بو طالب عن مستقبل مصر وسوريا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى الديب
عضو محترف
عضو محترف


الساعة الآن بتوقيت شنواى :
ذكر
عدد المساهمات : 487
نقاط : 1524
تاريخ التسجيل : 14/12/2009

مُساهمةموضوع: حوار الئيس عبد الناصر مع عبد الهادي بو طالب عن مستقبل مصر وسوريا   الجمعة 18 ديسمبر 2009 - 9:40

التقيت الرئيس عبد الناصر ولم يكن حاقدا على سورية وقال لي «ربما كان في الوحدة المستعجلة شيء من الارتجال»

حـوارات مع عبد الهـادي بوطالـب (6)



أجرى الحوارات: حاتم البطيوي
رفضت دمشق وساطة السفيرالطريس لأنه كان حسب اعتقادها رجل عبد الناصر * عينني الحسن الثاني سفيرا لدى سورية وقال لوزير خارجيته «ستكون العلاقة بيني وبين بوطالب مباشرة، وجميع تقاريره سترد على الديوان الملكي» في هذه الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت مجهر السياسة» يحكي عبد الهادي بوطالب ظروف تعيينه سفيرا في سورية. والوساطة التي قام بها بين مصر جمال عبد الناصر وسورية ناظم القدسي، وطبيعة المطالب السورية والمصرية. كما يتناول ايضا معايشته لانقلاب الجنرال عبد الكريم زهر الدين الذي اطاح بنظام القدسي. ويتحدث بوطالب كذلك عن انتهاء مأموريته في سورية وتعيينه وزيرا للاعلام.
* انتقلتم أنتم وعدد من أطر حزبكم إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وساهمتم في تأسيسه. فهل كان اختياركم واعيا ومسؤولا ومدروسا؟

ـ عندما عقدنا المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني يوم الأحد سادس سبتمبر (ايلول) 1959 في قاعة سينما الكواكب بالدار البيضاء كان اختيارنا واعيا ومدروسا. وقد كنا ثلاثة من حزب الشورى والاستقلال: أحمد بن سودة، والتهامي الوزاني، وعبد الهادي بوطالب أعضاء في الأمانة العامة الجماعية للاتحاد. وقد دخلنا في مرحلة تأسيس الاتحاد بعد أن جرت ـ بيننا وبين المنتفِضين في حزب الاستقلال على زعامتهم ـ مفاوضات امتدت عدة أسابيع تمثلت في اجتماعات بيني وبين بن بركة. وكنا نتبادل الرأي خلالها عن الخطوط الأساسية لبرنامج الاتحاد. والتقينا على اعتماد النهج الديمقراطي وتطوير الملكية إلى ملكية دستورية برلمانية عصرية، وعلى رفع وصايا الزعامات على الحركة الوطنية، وتركيز سلطة الاتحاد في القواعد الشعبية، وعلى متابعة النضال لتحرير المغرب من التبعية الاقتصادية وتحرير ترابه من القواعد العسكرية الأجنبية. كما اتفقنا على أن لا يكون للاتحاد لا رئيس ولا زعيم ولا أمين عام. كنت أنقل إلى المكتب السياسي لحزبنا تفاصيل جلسات العمل التي كنت أعقدها مع بن بركة. وخاصة كنت أُطلِع الأمين العام الوزاني ونائبه عبد القادربن جلون على دقائق ما جرى بيني وبينه. وكان الأمر مفاجأة للجميع. إذ كان التطور الذي طرأ على شركائنا في الاتحاد المقبل يثير الانتباه ويدعو إلى مصافحة اليد التي امتدت إلينا.

لكن بعض أعضاء المكتب السياسي تحفظ وتساءل: ألا يكون المهدي إنما أراد أن يستميلنا إليه بإبداء اتفاقه معي على البرنامج الذي كان برنامجنا؟ وتساءل هؤلاء أية ضمانات يقدمها المهدي لوفائه هو ورفاقه لهذا البرنامج؟ ولم يكن سهلا أن يمحو جميع أعضاء المكتب السياسي من الذاكرة خلافنا مع حزب الاستقلال الذي امتد ربع قرن.

ورغم ذلك استمرت لقاءاتي بالمهدي وتقدمنا في ضبط هيكلة الاتحاد وإجراءات تنظيماته. فالاتحاد سيتألف من بن بركة ورفاقه الذين انتفضوا على الزعامة التقليدية لحزبهم، ومن حزب الشورى والاستقلال، ومن حركة المقاومة وجيش التحرير، والاتحاد المغربي للشغل. كما اتفقنا على أن تكون قيادة الاتحاد جماعية تتمثل فيها الفصائل الأربع المذكورة وتحمل اسم «هيئة الأمانة العامة للاتحاد». وكانت تضم أحد عشر عضوا أو أمينا عاما وهم المهدي بن بركة، وعبد الرحمن اليوسفي، وعبد الهادي بوطالب، وأحمد بن سودة، والتهامي الوزاني، والفقيه محمد البصري، وحسن صفي الدين، والمحجوب بن الصديق، ونائبه الطيب بوعزة.

* وكيف تابعتم حواركم مع أعضاء المكتب السياسي في موضوع مشاركتكم في الاتحاد الوطني؟

ـ بعد أن اقترحتُ على المكتب السياسي لحزب الشورى إرجاء البت في اقتراح بن بركة إلى حين تأسيس الاتحاد قاطع محمد بن الحسن الوزاني الاجتماع. واعتبر ـ كما أوحى إليه بذلك أحد الشخصيتين المعتَرض عليهما- أن قبوله اقتراح المهدي ودخوله في الاتحاد الوطني كأحد الأمناء العامين الأحد عشر هزيمة لحزبه وتقويض لمجده كزعيم وطني تاريخي وكمؤسس للحركة الوطنية. وتأثر الوزاني بذلك وجاء في اجتماع آخر ليبلغنا رفض الحزب المشاركة في تأسيس هذا الاتحاد.

وطلب مني ومن التهامي الوزاني وأحمد بن سودة أن نكف عن الاتصال بالآخرين وإلا فإنه سيعلن طردنا من الحزب. وكان جوابي بنفس الحدة: «إن المفاوضات تمضي إلى غايتها دون أن يقع بيننا وبين من نفاوضهم خلاف على الأسس والمبادئ والبرامج، فإذا كنتم (السيد الأمين العام) تتشبثون بهذا الموقف بسبب وقوع خلاف على ترشيح شخصين فأنا أخبركم أنني سأتابع هذه المفاوضات باسمنا الخاص وبأننا لن نُقبِر المشروع الذي نؤمن جميعا بصلاحيته.

ولما انصرف الوزاني أصدر بيانا أعلن فيه طردنا ـ نحن الثلاثة ـ من حزب الشورى والاستقلال. وعندما عقدنا الجمع التأسيسي للاتحاد الوطني في سينما الكواكب بالدار البيضاء تناولت الكلمة دون أن أشير إلى أننا دخلنا الاتحاد باسم حزب الشورى والاستقلال، أو أننا نمثله في الاتحاد.

أذكر أنني خرجت رفقة بن بركة في رحلة استمرت 17 يوما عبر المغرب من أقصاه إلى أدناه على متن سيارة المهدي من نوع «جاغوار» كان يقودها سائقه لضم فروع حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال عبر المغرب، أي القواعد التي كانت ترغب في الالتحاق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وأذكر أننا عبرنا المغرب من وجدة والناظور ومنطقة الشمال والريف إلى مراكش وطرفاية والمناطق المحررة كما كنا نتلقى انخراطات فروع حزب الاستقلال الراغبة في الانضمام إلى الاتحاد وانخراطات أعضاء حزب الشورى والاستقلال. وكنا نؤلف بين أعضاء الحزبين ليعملوا في خلية واحدة. وقد وضع أحمد بن سودة جريدة «الرأي العام» (وهو مديرها وكانت تنطق باسم حزب الشورى والاستقلال) في خدمة الاتحاد الوطني وأصبحت ناطقة باسمه بعد أن مُنعت جريدة التحرير.

* ومتى انسحبتم منه؟

ـ بعد أشهر من تأسيسه وقبل أن تمضي عليه سنة. وبعد سقوط حكومة عبد الله إبراهيم سافر بن بركة في رحلة خارج المغرب وتركَنا نفهم أنها قد تطول وكان الأمر كذلك.

وأذكر أنه بعد مرور أسبوع على سقوط الحكومة جاء عبد الرحيم بوعبيد إلى الدار البيضاء وطلبت منه أن أجتمع به مع الفقيه البصري. وتم الاجتماع في منزل الفقيه البصري بصحبة رفيقي أحمد بن سودة وصارحناهما بالقول:

«إننا نلاحظ بأسف ومرارة أن أوراق اللعبة بين أيدينا لم تنسجم، وفصائلنا لم تلتحم في صف مرصوص. ونلاحظ أننا نعمل في جو من التكتم مما يوحي بأن العلاقة بيننا لا يطبعها الصفاء والتعاون الصادق. وأن قواعد حزب الشورى والاستقلال تشتكي من فقد الانسجام بينها وبين بقية قواعد الاتحاد. ولذلك قررنا مغادرة الاتحاد». وأضفت قائلا: «أنا قررت هذا بالنسبة لشخصي. وأعدكما أنني سأعتزل النشاط الحزبي ولن أعود إلى حزبي القديم، ولن أؤسس حزبا جديدا، ولن أشرح عبر الإعلام مجريات الأمور والدواعي التي سببت هذه الاستقالة، ولن أطلب من القواعد الشعبية التي جاءت إلى الاتحاد من حزب الشورى أن تنسحب من الاتحاد».

فقال لي عبد الرحيم بوعبيد بحضور الفقيه البصري متحدثا باللغة الفرنسية: «أرجوك ألا تتخذ هذا القرار بسرعة. أرجو أن نواصل العمل معا لقطع خطوات جديدة على الطريق. فنحن ما نزال في أمسِّ الحاجة إلى تعاوننا المشترك». وعندما شرحت له خلفيات قراري، أي الأسباب الموضوعية التي أشرت إلى بعضها قبلُ علق قائلا: «لا أستغرب أن يصدر هذا من المهدي». أي أن بوعبيد أنحى باللائمة على المهدي الغائب. وعلق الفقيه البصري متوددا ومتلطفا كعادته قائلا: «إذا كان وقع خطأ غير مقصود فيجب أن نتسامح ونتلافاه. فالطريق ما زال طويلا ويجب أن نعمل معا». فقلت له: «إني اتخذت قراري بعد تفكير طويل. وأنا آسف لما وقع».

وبعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم كان عبد الرحيم بوعبيد يقول إنه ذاهب لعطلة استجمام وراحة في أوروبا ينكَبُّ فيها على قراءة بعض الكتب التي لم يتأت له قراءتها في زحمة أشغال الحكومة. وزاد يقول: «مما لاشك فيه أنه سينادَى علينا عما قريب لنعود حيث كنا (أي الحكومة)».

وبدأ الملك محمد الخامس مشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسته. ودعاني للحضور إلى القصر الملكي (وكان شاع أنني انسحبت من الاتحاد الوطني) فوجدته يستقبل الشخصيات المرشحة للمشاركة في الحكومة الجديدة، ثم يخرج كل واحد من هذه الشخصيات ويدلي بتصريح للصحافيين قائلا: «استقبلني صاحب الجلالة وأسند إلي وزارة كذا أو كذا». ولما جاء دوري استقبلني الملك وقال لي: «أرغب في مشاركتك في الحكومة إذا وافقت. وسأعلن لك عن الوزارة التي سأسندها إليك» فقلت له: «أرجوك يا جلالة الملك أن تتفهم أوضاعي. أنا كنت في قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وتحملت مسؤوليتي فيه ولست نادما على ذلك. وقد انسحبت من الاتحاد، ووعدت بعض قادته بكلمة شرف أني سأعتزل العمل السياسي الحزبي». فرد عليّ في الحين وكأنه يبحث لي عن مخرج: «ما سأكلفك به ليس عملا سياسيا حزبيا». فقلت له: «ومع ذلك يا جلالة الملك لا أريد المشاركة في الحكومة في هذا الوقت حتى لا يقال إنني خرجت من الاتحاد لأمَوِّل انسحابي بمقعد في الحكومة». فعلق جلالته مبديا أسفه قائلا: «لك ما ترى».وخرجت من قاعة العرش وأدليت بالتصريح التالي للصحافيين: «استقبلني جلالة الملك وعرض عليّ منصبا وزاريا في حكومته، فأخبرت جلالته أني رهن إشارة جلالته خارج الحكومة لا داخلها». ونُشر التصريح في الصحف وفجر قنبلة إعلامية إذ لم يسبق أن قال سياسي إن الملك عرض عليه منصبا وزاريا واعتذر بالأسلوب الدبلوماسي اللبق الذي أجبته به.

* أين كنتَ حينما أُعلِن يوم 27 فبراير 1960 عن وفاة محمد الخامس ؟

ـ كنت في الدار البيضاء حيث أقطن، وبمجرد سماعي النبأ توجهت إلى القصر الملكي لأقوم بواجبي في تقديم العزاء للأمير ولي العهد مولاي الحسن وأخيه الأمير عبد الله والأسرة الملكية. واستقبلني ولي العهد وكان متأثرا لوفاة والده ومدركا لحقيقة المسؤولية العظمى التي سيتقلدها.

وعندما دُفن الملك الراحل توجهت للسلام عليه فاحتضنني وقال لي: «لقد فقدنا أنا وأنت والدنا الكبير». فقلت له كلمات لائقة بالحدث ومُفعَمة بالتعزية والحض على الصبر، وأضفت قائلا: «إذا كانت جلالتكم تحتاجني في أي مسعى أو عمل أقوم به فلن أتأخر عن ذلك». وأنا قلت له ذلك من منطلق ما سبق أن قلته لوالده الملك الراحل قبيل وفاته من أنني سأبقى رهن إشارة جلالته خارج الحكومة لا داخلها. ولم يكن يفصل بين ما قلته ووفاة والده إلا فترة قصيرة. كنت فيها مازلت مصمما على اعتزال العمل السياسي بصفة عامة والعمل الحكومي خاصة. ولكن بدا بعدُ أن الملك الحسن الثاني فهم من كلامي استعدادي للمشاركة في الحكومة وهو الذي كان يعرف أنني اعتذرت عن المشاركة في الحكومة التي ترأسها والده ويعرف أسباب اعتذاري.

وفي مساء نفس اليوم تلقيت مكالمة هاتفية من أحمد رضا كديرة صديق الملك الحميم الذي كان مرشحا ليكون العضو الأيمن للملك الجديد. وقال لي: «أدعوك لتناول الغداء معي غدا في مطعم الأوداية بالرباط وسأنقل لك رسالة من جلالة الملك». ولما التقينا على الغداء قال لي: «قلتَ لجلالة الملك يوم دَفْن المرحوم إنك على استعداد لأن تقدم خدماتك له إذا أراد. وعليه فإن جلالته يريد أن يعينك وزيرا في حكومته التي سيشرع قريبا في تأليفها». فقلت له: «ربما لم أدقق التعبير أثناء تقديمي التعازي لجلالة الملك وكنا نحن الاثنين في حالة تأثر بالغ. فأنا لم أقصد بالمساعي التي يمكن أن أقدمها لجلالته عملي في الحكومة، لأن الظروف التي من أجلها اعتذرت عن المشاركة في حكومة والده لا تزال قائمة». وذكرت لكديرة أنني خرجت من الاتحاد الوطني ولا أريد أن يُفهَم أو يُنسَب إلي أنني غيرت انتمائي إليه مقابل تعويض بتوزيري في الحكومة. ولذلك «فأنا أرجو من جلالته أن يقبل عذري كما قبل والده عذري من قبل. ولكن إذا رغب في أن أساعده في مجال آخر غير رسمي سأكون سعيدا ويشرفني ذلك. أنا لا أتطلَّع إلى أية وظيفة علما أن جلالته يعلم أنني ما كنت قط موظفا، ولم أنتم إلى سلك الوظيفة العمومية حتى عندما كنت أستاذا في المعهد الملكي».

أود أن أفتح هنا قوسين لأقول لك (إنني طيلة خمسين سنة أمضيتها متقلبا في عدة مسؤوليات سواء عندما كنت أستاذا بالمعهد الملكي أو بالجامعة أو وزيرا أو مستشارا إلى غير ذلك لم أكن أنتمي إلى أطر الوظيفة العمومية. وإني الآن وأنا متحرر من كل المسؤوليات لا أتقاضى من الدولة المغربية أي تعويض عن أعمالي السابقة. فليس لي راتب شهري ولا راتب تقاعدي لا كلي ولا جزئي. وإني أعيش اليوم من موردي الخاص الذي وفره لي عملي الطويل في القطاع الخاص). بعد هذا الاستطراد أعود إلى ما قلته لرضا كديرة : «أنا مازلت في حاجة إلى مزيد من الاستراحة والتفكير. وأرجو أن لا تطول هذه الفترة الانتقالية التي أراها ضرورية».

وافترقت مع كديرة، إلا أنه اتصل بي هاتفيا في مساء نفس اليوم قائلا: «لقد بلَّغت جلالة الملك تفاصيل ما حدَّثْتَني به ونقلت إليه بأمانة خطابك وقد عرف جلالته ما تريد، وهو يشكرك على صراحتك».

وتشكلت حكومة الحسن الثاني الأولى بدون مشاركتي فيها ودخلها معظم أقطاب الحركة الوطنية، إذ شارك فيها علال الفاسي (وزير الدولة المكلف الشؤون الإسلامية)، ومحمد بن الحسن الوزاني ( وزير الدولة بدون حقيبة)، والدكتور عبد الكريم الخطيب ( وزير الدولة المكلف الشؤون الافريقية)، وأحمد رضا كديرة، ومحمد رشيد ملين رئيس حزب الأحرار المستقلين.

* كديرة عُيِّن وقتها وزيرا للداخلية والفلاحة؟

ـ نعم، إلا أن الذي كان مفترَضا أن يكون وزير الداخلية هو إدريس المحمدي، لكنه لما قَبِل المشاركة في الحكومة بدون أن يسأل عن أسماء الوزراء المشاركين فيها ودخل إلى مجلس الملك الذي كان يضم أعضاء الحكومة سَرَح فيهم بنظره من اليمين إلى اليسار وتوجه إلى الملك الحسن الثاني وقال له: «هذه الوزارة يا مولاي مشكَّلة من تناقضات وستكون حركتها بطيئة ولن يكتب لها الدوام». وطلب المحمدي من الملك أن يعفيه من المشاركة فيها.

* حينما تولى الملك الحسن الثاني الحكم، ما هو التغيير الذي طرأ عليه ولفت نظرك؟

ـ أعتقد أن التغيير الأول كان تشكيل حكومته التي ضمت تقريبا جميع زعماء الحركة الوطنية. وكانت إشارة منه إلى أن مغرب الحسن الثاني لا يريد أن يُقصي منه أحدا أو فصيلة من فصائله السياسية، وأن على الجميع أن يتعايش مع هذا الوضع.

وقد كان الحسن الثاني يدرك أن السلطة الأولى في البلاد هي سلطة الملكية، ومارس دوره كملك إلى أقصى حد. وكان يريد أن يَعرِف شعبُه أنه جاء بالتغيير وأن لا فراغ في سير الحكم، لأنه عندما توفي محمد الخامس تهامس البعض أن المغرب دخل في عهد فراغ، بل قيل إنه وقع في متاهة لا مخرج لها، وأن ثقل الملك الراحل لن يستطيع ولي العهد أن يعوضه. فكان عليه أن يعمل ليفرض هيبته بالحب وبقدر ما يُنجِز من الأعمال لصالح شعبه. أراد أن يبرهن أنه رجل الساعة القادر على تحمل المسؤوليات.

لقد كان يريد أن يحكم البلاد ليس فقط لأنه ورث الحكم عن أبيه، بل كان يرغب في أن يقيم الدليل على أنه أهل لهذا الحكم ومؤهَّل للتغلب على التحديات وما كان أكثرها.

* بعد مرور سنة على اعتلاء الملك الحسن الثاني الحكم، عينك سفيرا للمغرب لدى سورية. فلماذا قبلت هذا المنصب؟

ـ بعد خروجي من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كنت أجتر هاجسا يؤرقني، هو أن لا يكون خروجي من الاتحاد نهاية لحياتي السياسية من جهة، كما لا يجب من جهة ثانية أن يُفهم أنني خرجت من المعارضة لأتقلد منصبا وزاريا، وأنني أتقلب تقلب الرياح مرة مع الحكم ومرة مع المعارضة.

وكنت في حاجة إلى فترة استجمام سياسي. وهي فترة تميزت بالتفكير والتقييم. كنت خلالها أطرح على نفسي أسئلة مثل: هل كل ما فعلته كان يجب أن أفعله؟ ألم أخطئ في بعض ما أقدمتُ عليه؟ هل تسرعتُ في الخروج من حزب الشورى والاستقلال والمساهمة في تأسيس الاتحاد الوطني؟ وهل سيُنْظَر إلى تسرعي وقبولي الدخول في الحكومة على أنه تهافت على الحكم وانبطاح من أجل مقعد وزاري؟ وهل إن فعلتُ ذلك سوف لا أُصنَّف بين الانتهازيين وعَبَدة المناصب؟

وأمام هذه التساؤلات وجدت لنفسي حلا مؤقتا ففرضت على نفسي فترة استجمام وراحة دامت ما يقرب من سنة، حيث نادى عليّ الملك الحسن الثاني بعدها ليعهد إليّ بمهمة أكثر من مهمة سفير لكن باسم سفير. وقال لي: «كنتَ تطلب ألا يكون دخولك للعمل السياسي إلا بمقدمات وسميتَها فترة استجمام. والآن أنا في حاجة إليك في مهمة دقيقة. تعلم أن الوحدة انفصمت بين سورية ومصر. وقد ترك هذا الانفصام مخلفات تشكل نزاعا بين البلدين. وقد توجه كلٌّ منهما إليَّ لأكون الوسيط بينهما. ولمّا كنتَ في حاجة إلى مدخل تعود به إلى العمل السياسي هاأنذا أجد لك هذا المدخل: ستذهب إلى سورية لتقوم بالوساطة بينها وبين مصر باسمي بوصفك سفيرا في دمشق». وزاد يقول: «لا أخفيك أنني فكرت في أن أسند هذه المهمة إلى السيد عبد الخالق الطريس (كان آنذاك سفيرا للمغرب لدى مصر) لكنني فوجئت بما لم أكن أتوقعه. فلا سورية قبلته ولا مصر قبلته. مصر قالت إنها لا تريد أن يكون من يقوم بتسوية النزاع هو السفير المعتمد لديها. وسورية قالت إنها لا يمكنها أن تطمئن إلى وساطة الطريس «لأنه رجل عبد الناصر». وحينها فكرتُ فيك، فأنت تعرف المشرق العربي وثقافتك السياسية الأولى هي ثقافة عربية. وكل ما يتعلق بالجامعة العربية وأوضاع المشرق تعرفه حق المعرفة. وأنا أعرض عليك أن تكون بالنيابة عني الوسيط الذي لا يُعلَن عنه، لأن هذه المهمة حساسة وبالغة الخطورة. وعليك أن تقوم بها دون إعلان، ولكن من موقعك كسفير في دمشق ينتقل بين القاهرة ودمشق لحل هذا الخلاف في أسرع وقت».

والحقيقة أنني ارتحت لهذه الطريقة التي قدم بها الملك الحسن الثاني عرضه لي. وزاد يقول: «فإذا قبلتَ فإنني سأبلغ وزير الخارجية بحضورك قرار تسميتك سفيرا وأعطيك تعليماتي بحضوره».

ونادى الملك الحسن الثاني على الحاج أحمد بلافريج وزير الخارجية في جلسة أخرى كنت حاضرا فيها وحضرها أحمد رضا كديرة مدير الديوان الملكي. وقال له: «لقد سميت الأستاذ عبد الهادي بوطالب سفيرا لي في سورية لكن لا علاقة له بوزارة الخارجية، ستكون العلاقة بينه وبيني مباشرة للقيام بمهمة الوساطة. وجميع تقاريره سَتَرِد رأسا على الديوان الملكي. ولا تنتظروا أن يخبركم بما سيكون في شأنها». وقال بلافريج: «الأمر أمرك يا جلالة الملك». وفعلا تسلمت أوراق الاعتماد من جلالة الملك في 12 فبراير (شباثلاث.196 وسافرت بعد أسبوع إلى دمشق. وعجل الرئيس السوري ناظم القدسي باستقبالي في اليوم الموالي حيث قدمت له أوراق اعتمادي. وبعد أن تبادلنا الخطب كما كانت عليه العادة في سورية انفرد بي في جلسة خاصة ليقول لي: «هذه مطالبنا من مصر» وكانت مطالب بسيطة. وأضاف قائلا: «نحن نعتمد عليك في أن ترجع المياه بيننا وبين مصر إلى مجاريها وسورية حريصة على ذلك. ونأمل أن نجتاز هذه الخطوات البسيطة التي بقيت على الطريق لندخل في عهد جديد. إننا لا نريد أن يطول عهد الجفاء مع مصر، وأن لا يكون الانفصال قطيعة أبدية». وقال لي الرئيس القدسي: «إن الوضع الحقيقي يكمن في أن مصر لا ترغب في أن تقيم علاقة ديبلوماسية من جديد معنا. وأنتم تعلمون كيف وقع الانفصال». وكانت سورية تشكو من الظروف التي سارت فيها الوحدة بينها وبين مصر وتحمِّل مصر مسؤولية تعثرها. والمعروف أن المكلف الشؤون السورية أيام الوحدة مع مصر كان هو المشير عبد الحكيم عامر وكان قليل الحضور في دمشق. وقد حكم سورية كما لو كان هو حاكمها العسكري أو المندوب السامي. ووقع الانقلاب في سورية وانفصلت عن الجمهورية العربية المتحدة وهو غائب. ووجدت مصر نفسها أمام الأمر الواقع. وكان النظام المصري حاقدا على النظام السوري الجديد فرفض الاعتراف به لأنه ـ حسب مصر ـ طعن الشرعية عندما أعلن من جانب واحد فسخ الوحدة القائمة بين البلدين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حوار الئيس عبد الناصر مع عبد الهادي بو طالب عن مستقبل مصر وسوريا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شنواى  :: المنتدى العام :: أخبار الصحف والمجلات-
انتقل الى: